أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
354
نثر الدر في المحاضرات
ليس فيهم ، وكان أبو هفان عبديّا ، وعبد قيس تعيّر بالفسو . وقال مرة لأبي هفان : واللّه لئن ضرطت عليك ضرطة لأبلغنك فيها إلى فيه في دفعة . فقال : اللّه اللّه يا مولاي ، زدني أخرى ، وبلّغني مكة فإني صرورة « 1 » . فضرط عليه ضرطة أصعقت أبا هفان ، ورجي عليها بالقرآن : ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ( 42 ) [ الذاريات : 42 ] ، وقال أبو هفان : يا سيدي ، ردّني من الثعلبية فقد كفاني ! وقال المأمون لحاتم الريش وكان ضراطا : أنت أمير الضّراطين ، وقال : أنا أوسع منك سلطانا إذن ، لأنّ الإيمان خاصّ والضّراط عامّ . وقال له مرّة : يا حاتم أين بلغ ابنك ؟ فقال : أول ما فسا يا أمير المؤمنين ! دخل أعرابي إلى الحجاج فجعل يشكو إليه جدب السّنة ، فبينا هو مفرط في ذلك إذ ضرط فقال : أصلح اللّه الأمير ، وهذه أيضا من بليّة هذه السنة . فضحك وأجازه . وخاصم آخر خصما له بين يدي بعض الولاة ، فغضب أحدهما وأرزى على صاحبه في الكلام ، فبينا هو على تلك الحال حتى ضرط ، فقال : وهذه أيضا في لحيتك . قيل للمنصور وكان مريضا : إن فلانا ضرط في مجلس فتنبه فقال : ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ [ المائدة : 54 ] . كان بالأهواز عامل أصمّ ، وكان يضرط في مجلسه ، ويحسب أنه يفسو ، فضرط مرة بين أهل عمله وبين يديه كاتب له ، فأخذ كاتبه رقعة وكتب فيها : أصلح اللّه الأمير إن هذا الذي يخرج ضراط يسمع ، وهو يرى أنه فساء يخفى ، فإن رأى أن يمسك ، فعل إن شاء اللّه فوقّع في حاشيته : إنما استكفيناك أمر خراجنا ، ولم نصدرك على ضراطنا ، فتغافل كما تغافل القوم ، فأنت واحد منهم .
--> ( 1 ) الصرورة : الذي لم يحج قط .